ذهبت نورا إلى محل الصاغة الشهير في وسط البلد، نفس المحل العريق الذي اشترى منه والدها الخاتم قبل وفـ,ـاته بعامين. استقبلها الحاج عبد الصمد، صديق والدها القديم، بابتسامة حانية سرعان ما تحولت لدهشة حين طلبت منه نورا طلباً غريباً وغير متوقع بالمرة: — "عمي عبد الصمد، أنا محتاجة شهادة تقييم وتأمين رسمي للخاتم بتاع بابا، ومعاها نسخة من فاتورته القديمة اللي عليها الرقم التسلسلي ورسمة الفص من جوة.
.. بس عايزة أطلب منك خدمة كمان؛ لو جه حد يسألك عن قيمة الخاتم ده بالذات، عايزة الرد يكون صدمة عمره!" في اليوم التالي، بدأت نورا أولى ضـ,ـرباتها النفسية. زارت بيت حماتها بصحبة زوجها عمر، وكانت ملامحها تشع ثقة وراحة غير معتادة، حتى إن الحاجة سعاد ارتبكت من نظراتها الهادئة.
جلسوا يشربون الشاي، وقالت نورا بنبرة عفوية خبيثة أمام الجميع: — "تعرف يا عمر، أنا زعلت في الأول لما الخاتم ضاع، بس بعد ما روحت لصايغ كبير امبارح عشان أبلغه بمواصفاته لو حد حاول يبيعه، الراجل قالي سر غريب أوي وخلاني أحمد ربنا إنه غار في داهية!
" انتفضت الحاجة سعاد من مكانها، وضيقت عينيها بريبة وقالت: — "سر إيه يا بت؟ ما الخاتم كان ألماظ حر وبيبرق زي الفل!" ابتسمت نورا ببرود وقـ,ـاتل: — "ألماظ حر أه يا ماما، بس الراجل حذرني تحذير شديد.
.. قالي الخاتم ده الفص بتاعه جواه شرخ ميكروسكوبي ميبانش غير تحت العدسة الخاصة، وأي خبطة صغيرة مش بس هتكسره، ده فيه نسبة زرنيخ كانت بتستخدم زمان في تثبيت النوع ده من الأحجار، لو اتحك في الجلد مع عرق مستمر، بيفرز سم بيعمل حساسية وتشوهات سريعة في الأصابع، ده غير إن عليه حفر رقمي لو دخل أي محل صاغة في مصر الكمبيوتر بيبلغ فوراً إنه عهدة مسروقة!
" سقطت كوباية الشاي من يد سعاد وانسكبت على الطاولة، بينما كان عمر يواسي والدته ظاناً أنها ارتبكت من السخونة. في تلك اللحظة رن جرس الباب، وكانت هبة داخلة وهي تصرخ وتبكي بهستيريا، وتخفي يدها خلف ظهرها والدموع تغرق وجهها! ...
يتبع دخلت هبة الصالة وهي ترتجف، ملامحها صفراء كالمـ,ـوتى، وقالت بصوت متقطع: — "إلحقيني يا ماما! إلحقني يا عمر! صباعي بيحرقني زي النار وورم فجأة!" نظرت نورا ببرود بينما تقدمت الحاجة سعاد برعب حقيقي وجذبت يد ابنتها؛
كان الإصبع الذي يرتدي الخاتم متورماً وأحمر بشدة (نتيجة حساسية مفرطة استغلتها نورا لأنها كانت تعلم مسبقاً أن هبة تعاني من حساسية المعادن إذا وُضعت عليها مادة معينة كانت نورا قد مسحت بها الخاتم عمداً يوم الخطوبة حين أمسكت يدها بإحكام).
تذكرت سعاد كلام نورا عن "السم والتشوهات"، فصرخت في ابنتها بهستيريا وهي تحاول نزع الخاتم: — "اقلعيه! اقلعيه يا مقصوفة الرقبة بسرعة، ده سم هاري!" لكن الخاتم أبى أن يخرج، فقد تورم الإصبع تماماً وحُبس الخاتم في منتصف العقلة مسبباً ألماً لا يُطاق لهبة التي كانت تصرخ من شدة الوجع.
نظر عمر إلى أخته وأمه بذهول، وعينه وقعت على الفصوص التي تلمع بين التورم، صمت لثوانٍ ثم اقترب ببطء وعيناه تشتعلان غضباً، وقال بنبرة مرعبة: — "الخاتم ده... جالك منين يا هبة؟ ده مش خاتم نورا اللي ضاع في عزومة أمي؟!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.